16.08.2007

البارتي رؤيةً ومنهجاً ..وموقفاً وممارسةً

(على الصعيد العالمي )(1)

عبد الرحمن آلوجي
استطاع الحزب أن يخط ـ عبر نضاله ـ نهجه ، ويرسم ثوابته ، ويترجمها في الممارسة العلنية ،بما يحقق الثابت والمتحرك ،تحت قاعدة الأصل والمتفرع عنه ،فهو إذ يرسم سياسته، لا يكاد ينطلق من الحتمي الذي لا يتبدل، بقدر ما يعطي الثابت قيمته ،والمتحرك غير المتحول عن الأصل عنصر الاجتهاد والتفرع والتفصيل ،بما يعطي حركية النهج قيمته العلمية والمنهجية ،دون تحجر أو جمود أو وقوف دون فحص و تدقيق للمواقع والمواقف.
* * *
ولم يأت هذا الفهم ببساطة، بقدرما تعزز من خلال عقود طويلة من النضال ،خضع خلالها الحزب ،لامتحان البقاء والامتداد ،واختبار القيم والمفاهيم ،عبر نضاله اليومي ،ولقاءاته وندواته ومحطاته في الاجتماعات الاعتيادية والموسعة والكونفراسات والمؤتمرات ،التي كان آخرها المؤتمر العاشر المنعقد أواخر شهر تموز 2007م، لتكون هذه التجربة المديدة ،إضافة إلى الحياة العامة ،والاتصالات واللقاءات على مستوى النخبة والأفراد والأصدقاء والأحزاب الوطنية و الكوردستانية .. مادة ثرّة ومفيدة في تعزيز المفهوم العالمي والإقليمي والقومي والوطني ،في أساسه النظري ،وترجمانه العملي ،بما يضعه في خانة الأحزاب العريقة التي استطاعت أن تحدد هدفها ،وترسم منهجها وتضيء فكرها ،في التقارير العامة ،والأبحاث والدراسات والأدبيات الدورية والفصلية شكل ثراء في المادة الفكرية والسياسية ،وتراثاً علميا ومنهجيا جديراً بالاهتمام والمراجعة ، ومتجسدا في منهاج عمل ،وآلية ضبط تنظيمة ،تنظم العلاقة داخل الحزب وخارجه والتحالفات والصداقات التي تعزز الأرضية النضالية وتترجمها إلى واقع عملي منتج.. وقد جاء هذا الفهم مترابطاً ومتداخلاً ومتكاملاً،في صيغة نظرية متقدمة ،تنطلق من القضية المركزية التي يؤمن بها الحزب ،وهي النضال من أجل اعتراف دستوري وقانوني بوجود شعب كوردي عريق في سوريا ،يعيش على أرضه التاريخية ،ويتمتع بكامل وجوده القومي والثقافي ،وخصائصه وقيمه وعاداته وتقاليده ،ولغة هندوأوربية مستقلة في كيانها اللغوي والثقافي ،وتراثها الأدبي الطويل والثري في موسوعة لغوية وأدبية واصطلاحية غنية ومتكاملة ..ليكون هذا الوجود الثقافي والاجتماعي والقيمي الفاعل عاملا ً إيجابياً , يشكل مع أطياف الشعب السوري وتلاوينه , ومكونات النسيج السوري , ذلك النسيج المتضام والمتكامل , والذي ينبغي أن يتفاعل بحيوية باتجاه بناء مجتمع تعددي , غني , فكرياً وأثنياً ومذهبياً , بما يحقق التناغم والتواؤم والازدهار الحضاري اللائق في ظل توجه ديمقراطي تعددي منشود , يبتعد عن أسلوب الإيثار والإلغاء , والإبقاء على الهوية العربية الواحدة فكراً وممارسة على مختلف الصعد كما هو واقع 00 مما يتجافى عن منطق العدل والمساواة والواقع المعاش.
* * *
ومن أجل ذلك كان لابد لهذا البنيان الفكري من فهم دقيق للحياة بمفهومها الواسع , ونطاقها الفسيح , لأن من شأن البناء الفكري أن يتسم بالوضوح والتناسق وصحة الأساس , حتى نستطيع فهمه والإحاطة به , ويستطيع من خلال القواعد والأسس – إعطاء الصورة التفصيلية لمجمل الوقائع والأحداث في ترابطها وعللها , والأحكام التي يمكن أن ترسم صورتها , وجوهر هذه الصورة , ورتوشها ومتعلقاتها ..
* * *
لقد انطلق فهم البارتي في مجمله من عدالة قضية وعمقها الفكري والاستراتيجي – وارتباطها بقضايا السلم والمدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان ولوائحه وتشريعاته , وما أفرزه القانون الدولي , وصاغته قرارات الأمم المتحدة , وتراثها العريق في الدعوة إلى تحرر الإنسان , وما يتعلق بها من العهد الدولي ومواثيقه , واللائحة الناظمة لها , والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة , كما يستمد الحزب فكره من القيم الروحية والتراثية , والمثل الأخلاقية العالية التي اختطها وعمقها وساندها فكر البارزاني الخالد , في المروءة والشهامة والإخلاص والجرأة في تناول الحق والدفاع عنه , واحترام الأديان والمذاهب والأفكار والآراء المخالفة , والدعوة إلى السلم الأهلي , وإيثار الوحدة الوطنية على كل شيء , والانطلاق من المصلحة المشتركة للشعوب المتآخية , والإيمان بقيمها وحضاراتها وإسهامها في التراث الإنساني العام , وضرورة جعل هذا التراث منطلقاً للحداثة والتغيير والتجديد , ونقل الواقع الثري والخصب للفكر والحضارة والعلم والتكنولوجية إلى مقدّمة منهجية للانطلاق إلى كل ما يعزز السلم ويرسخ قواعد مجتمع مستقر ومزدهر , يأمن فيه الإنسان على حرية معتقده وتراثه الروحي , وممتلكاته وما يحوزه , وما يغني حياته ويرقى بها في الفكر والتعبير بكل الأشكال الممكنة والإيجابية , لتعزيز الرأي الآخر , ودفع – عبر حوار بناء – إلى التكامل والإنضاج , مستمداً في ذلك من التراث الإنساني العام ومن رؤيته الوطنية والقومية , نهجاً واضح الاتجاه , سليم البناء مشرقاً في أدائه وتوجهه العملي 00 إن رؤيتنا إلى العالم المتمدن – تتجلى في ضرورة الاحتكام إلى لغة العقل والحوار الهادف , وتبادل الرأي والتشاور , بدلاً من الاحتكام إلى العنف والارتكاز عليه , ونقله إلى ساحة صراع , لايمكن حسمه , إلاّ عبر الآلام والتضحية والمحن والكوارث , وتمزيق صف المجتمع الإنساني , وخلق بؤر توتر , وثارات , وحروب وقلاقل , تقود إلى حالات الكراهية والمقت والاحتقان , وانعدام الأمن , وتشعب حالات الارتداء والنكوص الفردي والجماعي – وانتشار ظاهرة الرعب والجريمة والقتل على الهوية مما يشيع الفساد ويفتك بالمجتمعات ،ويخرب العقد الاجتماعي المتزن ويصيب المواطنة الحرّة , والتعاطف الوجداني – داخل المجتمع الإنساني – بالأذى والوهن، ويضيف على الحياة العامة الرهق والقلق وانعدام التوازن , مما ينعكس بشكل مفجع في حالات التغرب والاغتراب الداخلي والتمزق النفسي الذي يؤدي إلى تخريب هائل في المجتمعات الإنسانية باتجاه الارتداد والإحباط والتدمير الداخلي , وهي أسوأ حالات الانفلات الأخلاقي والتوتر وانعدام الثقة بالنفس والآخرين ..
كل ذلك يهدد المجتمع الإنساني , ويجعله في حالة القلق وانعدام الأمن " مما يجعل الأبواب منفتحة على كل الاحتمالات التي تؤدي إلى مخاطر جسيمة تهدد مستقبل الإنسان على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب , حيث يمر العالم في حالة اختبار حقيقي دقيق .." في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب والعنف والفتك وقتل الأبرياء , واللجوء إلى القسر والسحق والتدمير.. من أجل ذلك كان لابد من مواجهة ( العنف ومرتكزا ته وأسبابه وبؤره 00 باتجاه الدعوة إلى ترسيخ المفاهيم الديمقراطية و قواعد المجتمع المدني , وقضايا التحرر والانعتاق , والبحث جدياً في مفهوم العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية , وما تعكسه على أنساقها الاجتماعية , والتوجه نحو جعل رقعة العالم الفسيحة تحت الأنظار , في واقع يجعل الدول والأقاليم منفتحة في حدودها الجغرافية والسياسية.. حيث تتداخل المصالح وتتوافق وتتعارض المبادئ في تواصل لا يكاد ينقطع ..) وهو ما جاء فيه بالنص في تقريرنا العام المعدل والمعروض على المؤتمر العاشر .. إن فهمنا الحقيقي للديمقراطية والمجتمع المدني , وعمق العولمة في التأثير على حياتنا العامة , ينبغي ألاّ ينسينا الخصوصية القومية والتراثية لكل أمة , بما يحقق عمقها وأصالتها , وتواصلها أيضاً مع المجتمع الإنساني الجديد , ومفهومه عن المعاصرة والجدة والتطور , وضرورة مواكبة المد العالمي للديمقراطية , والتأكيد على الجانب الإنساني الحر , والفكري النقي , والرؤية العلمية والمدنية الجامعة للعولمة , بما يحقق العدل والرفاه الاقتصادي , والتكامل الإنساني وأمام هذا التطور كان لابد " لقضايا الشعوب أن تنال حظاً وافراً من اهتمام الأوساط والدوائر العالمية , وفي أروقة الأمم المتحدة , وأمام الرأي العام العالمي ..) لتحل هذه القضايا وفق منطق القانون الدولي ( وشرعة حقوق الإنسان ولوائحه ومنظماته ) كما أسلفنا..
أن رؤيتنا واضحة في إيماننا بضرورة حل قضايا الشعوب في العالم وخاصة الشعوب المضطهدة والفقيرة والمحرومة حلا سلميا مدنياً ديمقراطياً عادلاً في مختلف بقاع الأرض من أمريكا اللاتينية إلى أوربا والبلقان والبوليساريا وإقليم الباسك وأيرلندا وأفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين .. والقضية الكوردية التي تعد من أبرز وأكبر القضايا العالقة دون حلّ مناسب يتماشى مع حق نحو من خمسين مليون كوردي , يتمتع بكامل حقوقه الواضحة قومياً وثقا فيا ًواجتماعياً وعلى مستوى التفاعل الحضاري والكفاحي..

* * *
إن رؤية شاملة عادلة محايدة , تطرح بعمق ووضوح القضايا الإنسانية والقومية والفكرية الكبرى على طاولة البحث في مراكز القرار العالمي , وتدعو بوضوح كامل إلى ضرورة تحكيم قواعد المجتمع الدولي وعلاقاته ونظمه ولوائحه ليكون المرجع والمآل , والحكم في مساواة الشعوب في أعرافها ومذاهبها وألوانها وأجناسها , وأفكارها واتجاهاتها ومدارسها , ليكون الفكر العالمي الحرّ , والمتكامل مبعث استقرار وأمن وازدهار وسلام لمجتمع إنساني حر حضاري ومتقدم..

 

عــودة

عودة إلى مقالات الأستاذ

info@alparty.info

 

 

 

xwedanên gotara ewin xweda barên wan 

اأصحاب لمقالات المقالات المنشورة هم من يتحملون تبعاتها

Çapkirin ji Mafê Alparty ye

© 

جميع الحقوق محفوظة للبارتي