13.12.2007
البارتي رؤية ومنهجاً… و فكراً وممارسةً
عبد الرحمن آلوجي
الوضع القومي.. (الواقع القومي).. الحلقة الثامنة
رابعاً: الواقع في غرب كوردستان:
لقد فرضت اتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية عام 1916 حدودا دولية
مصطنعة برغم إرادة شعوب المنطقة المتآخية منذ قرون , عرباً و كوردا
و آثوريين … و دون استشارتهم أو أخذ رأيهم في أيِّ إطار دولي , في
عهد النزعة الاستعمارية, و اقتسامها لتركة الرجل المريض ( الدولة
العثمانية), والتي كانت تكبل إرادة الشعوب , و تقهرها على قبول صيغ
تتريكية جائرة , ليأتي الوريث الاستعماري شكلا آخر من أشكال
الوصاية , على إرادة و مصير هذه الشعوب , من الشرق الأوسط إلى
البلقان والبلغار والصرب … وكان من نصيب التركيبة المجتمعية
المحددة في سوريا , أن تجمعها في العقد الثاني من القرن العشرين
هذه الحدود الدولية المرسومة الآن ليجد الكورد والعرب و سائر
مكونات الشعب السوري أنفسهم أمام مصير مشترك , مع تراث و إرث حضاري
جامعين كان يمكن لهما أن يشكلا إلى جانب الإرث الكفاحي عامل وئام و
تكامل و تلاق , لو أحسن تعميق هذا التكامل و ذلك التواصل الوجداني
, وتلك اللحمة التاريخية العريقة , بخلاف ما حدث , من تحديد صيغة
استعلائية في التعامل مع تلك الروابط الموثقة للعرى.
فما أن أدار الاستعمار الفرنسي ظهره للمقاومة الوطنية الباسلة التي
شاركت فيها أطياف الشعب السوري و بخاصة العرب و الكورد , وفي معظم
المناطق ( الغوطة , الساحل السوري , جبال حارم والزاوية , جبل
الدروز , الفرات والجزيرة , بقيادة أبطال المقاومة البواسل … ) ما
أن أدار المستعمر ظهره حتى بدأت المفارقات المذهلة , في استئثار
السلطات المتعاقبة بحكم عربي خالص , تشريعا و إدارة و تنفيذاً , و
علوماً وآداباً و معارف , و تربية و تثقيفاً , في إنكار و تنكر
تامين للثقافة الأخرى , و ضرب بعرض الحائط لكل مقومات الوجود
القومي للآخرين , في تعريب شامل لكل البقاع و الأمكنة , و الأسماء
و المسميات , و الإرث المشترك , متجاهلة الوجود القومي و الدستوري
لمكون رئيسي ثان , هو المكون الوطني الكوردي , الذي يتصل بعمق
التاريخ والجغرافية واللغة والثقافة , و الوجود الحضاري بهذه الأرض
منذ فجر التاريخ , حيث يتصل عمقاً حتى جبال آرارات
و تحدرا إلى جبال زاغروس و طوروس , في جغرافية متداخلة مع شعوب و
أثنيات المنطقة , لتترادف مع عمق تاريخي يتصل بالمستوطنات
التاريخية الأقدم في العالم : (نيفالي تشوري, حموكر , أوركيش ,
واشوكاني , أور , لكش… ) حيث الأقوام والسلالات الآرية الأولى التي
تشكل أسلاف الكورد : (من الهوريين و العيلاميين و الحثيين و
الميتانيين و السوئيين و المؤابيين و السيتيين و الكردوخيين و
الجوتيين و اللان و الميديين ...) , ليكون هذا التنكر باعثاً
أساسياً على شعور الإنسان الكوردي بالاغتراب الروحي , و اجترار
آثاره نكداً و حرماناً و إعراضاً و إبعاداً عن صنع القرار السياسي
إلا وفق صيغ تغيير الانتماء القومي كما ذهب إليه المنظرون
المتشددون في الفكر القومي العربي , غير مبالين بذلك الإرث المشترك
, و التلاحم الكفاحي التاريخي , واستحقاقات الدساتير و القوانين
العالمية و المواثيق و العهود الدولية , و القيم الروحية المشتركة
الدّاعية إلى السماحة واليسر , و المساواة في العرق و اللون والجنس
, و التفاضل على أساس التقوى والعمل الصالح , و المواطنة الحرة
النبيلة , و النزول عند الأثر العظيم : ( كلكم لآدم و آدم من تراب
, و النّاس سواسية كأسنان المشط … ) حيث ولد النّاس أحراراً
متساوين , لا فرق بينهم ولا مفاضلة إلا بالأثر الحميد و الموقع و
المكانة العلمية و الاجتماعية على أساس من السيرة الطيبة , و القيم
الرفيعة.
و من أجل ذلك ولرفع هذا الغبن كان لا بد متن عمل جماعي و طني و
قومي مشترك , افترض صيغة سياسية و حضارية و إنسانية حملت في ذاتها
قوة بناء و دفع , و تأثّر بالمحيط القومي , والثورات التحررية
الكبرى في المنطقة و العالم , بالإضافة إلى قوة دفع ذاتية وطنية ,
حرّض عليها العامل الداخلي متمثّلا في تلك السياسة المحتكرة لكل
أشكال السلطة و القيادة والتوجيه و التربية و الإعداد لصالح مكون
أساسي هو المكون العربي , مع ما ذكرنا من تنكر تام لسائر المكونات
الأخرى , ليكون البارتي الديمقراطي الكوردي انبثاقة طبيعية من
مجموعة العوامل الآنفة الذكر , متسلّحا برؤية قومية ووطنية واضحة
المعالم , مستندة إلى تراث تحرري من الفكر العالمي , و العهد
الدولي لحقوق الإنسان و قوانينه , وما انبثقت عنه التشريعات
والقواعد الدولية النّاظمة للعلاقات بين الشعوب , و مجمل الشّرائع
والقيم و المثل العليا الجامعة و المحركة للطاقة المجتمعية , وما
حمله فكر البارزاني الخالد و ثورته التحررية في أيلول من عام 1961
و امتداداتها , وما كان لهذا الفكر و ذلك النهج المتجدد من أثر في
بلورة فكر قومي تحرري يحمل بصمات متقدمة في السّلم والمساواة و
الديمقراطية و العدل , و محاربة كل أشكال العنف و الإكراه و منطق
الوصاية , و استعباد الشعوب , و إلغاء تميّزها و شطبها , و
ملاحقتها في أحرارها و مفكريها , و إعلان الحرب عليها إبادة و
تجريداً و تشريداً , و قتلاً و تعذيباً و هدماً للقرى و المزارع و
الأرياف … مما شكّل تراثاً واضح المعالم عميق الأثر في الفكر
الكوردي المعاصر , والّذي كان البارتي واحداً من أبرز مظاهره , و
من ألصق الأدوات النضاليّة بهذا الفكر .
لقد حدّد البارتي رؤيته في علاقته بمكونات الشعب السّوري , و
مظاهره التحررية المعبّرة عن فكر ينبغي أن يبتعد عن الاستبداد و
التقوقع القوميّ في ضرورة وطنيّة قصوى تستوجب مراجعة كلّ السياسات
الاستثنائية , المبنيّة على أساس الطّيف الأحادي للمجتمع السّوريّ
و ما يعني ذلك من استبعاد و شطب للآخرين , و اقسارهم على ذلك , و
محاولة صهر و إلحاق , تحقيقاً لمقولات و نظرات قوميّة استعّلائيّة
لم تعد تجدي في عالم بات يطرق أبوابنا مع كلّ مستجدّ و متطور في
الحياة الفكريّة و العلميّة والسياسيّة , تختزل فيها المسافات , و
تطوى فيها اللّحظات الزمنيّة بما يشّبه الومضة , لتشيّ بكلّ تطور
في أيّ جزء من أجزاء المعمورة.
والبارتي إذ يحمل برنامجاً متكاملا رؤية و منهجاً و فكراً و ممارسة
, يجد نفسه في العمق من القضايا الوطنيّة الدّاعية إلى الوئام و
السّلم الأهلي و الوحدة الوطنيّة , و التّكافؤ و العدل و التّواصل
بين سائر مكوّنات المجتمع السّوريّ و توفير مستلزمات عملٍ و طنيّ
متكامل أساسه عقد اجتماعي متطوّر , يتكامل فيه الجميع , و ترفع
القيود عن أن تأخذ هذه المكونات بعدها الكامل في تحقيق تميّزها و
وفرة تراثها مقارنة و تقاربا و انفتاحاً , لبناء ثقافة تعدّديّة
حقيقية تعكس التّعددّيّة السكانية و ثقلها و انسجامها مع هذه
التعددية سياسياً و فكريا , لبناء بلد قويّ مزدهر بأبنائه , يعترف
كلّ بالآخر , و يتواصل معه , لتتكامل الإمكانات و الموارد
والطّاقات , و القيم و الرّؤى و المعايير , و موازين الاقتصاد
والاجتماع و التخطيط و العمران , و الإدارة و الإنتاج , و القضاء و
التشريع , و سائر ميادين الحياة الحيوية , بما يفجّر هذه الإمكانات
و المؤهّلات و ينوّعها و يغنيها في إطار ديمقراطيّ حرّ , يرسم
الصورة المثلى للقيم الوطنيّة العليا , و الّتي تعني بالضرورة
إعطاء كلّ طيف بعده التراثيّ و القوميّ لغة و ثقافة و تقاليدَ و
عادات متداخلة و متوائمة ومتقاربة في كثير من الأحيان.
إنّ هذه الرّؤية الواضحة تجلّت في تقرير مؤتمرنا العاشر ليؤكّد على
: (استحقاقات الشراكة الوطنيّة قوميّا و ثقافيّا و سياسيّا , بشكل
تراعي التنوّع والتّكامل و التّعدّديّة , ليكون النضال السّلمي
الديمقراطي سبيلاً إلى هذه الحقوق وفق قيم نضاليّة منظّمة لبناء
سورية الحديثة , في تعزيز نمط جديد من العلاقات المبنيّة على أسس
عصريّة تنسجم مع تطوّر المجتمع الدوليّ , و توضّح آفاقه , و تبلّور
البعد العالمي لقضايا الشّعوب …)
و من أجل ذلك طرح الحزب مجموعة معايير و قيم يمكن اعتبارها مدخلاً
حقيقياً لبناء وحدة وطنيّة تحقّق ضمانة أساسيّة في الازدهار الفكري
و الحضاري و التطور المدني كما جاء في تقريرنا العام : (1-
المواطنة الحرّة معيار الانتماء الوطنيّ و أساس النّظام
الديمقراطيّ الّذي ينبني على نبذ جميع أشكال الإقصاء و الوصاية و
العنف و التنكّر لوجود الشّعب الكوردي لغةً و تاريخاً و أرضاً و
كفاحاً تلاحميّاً مشترك
2- ضمان حقّ العمل السياسي لجميع أطياف الشّعب السّوريّ, واعتماد
التعددية السياسية كحق مشروع و مصان قانونياً
3- اعتماد الديمقراطية كقيمة عليا محرّكة و الدّفاع عنها
4- إطلاق الحرّيات العامّة في التّعبير و المحاسبة
5- حماية الملكية الخاصة للأفراد و صيانتها
6- الالتزام بالمواثيق و العهود الدّوليّة و شرائع حقوق الإنسان و
لجانه و منظّماته , و تنشيط منظّمات المجتمع المدنيّ …. )
تلك أبرز معالم الصيغة الحضارية المتبنّاة و التي يمكن إبراز
الجانب الاقتصاديّ و توفير مستلزمات ازدهاره و حماية منشآته و
محاربة الفساد الإداريّ و الماليّ , و كلّ أشكال الهدر و التسيّب و
الفوضى المعيقة لبناء حالة اقتصاديّة مزدهرة توفّر العيش الرغيد
المشترك للإنسان السّوريّ , ليوفّر له الأمن الغذائيّ و الرّاحة و
الرّفاه و فرص التّكامل و التواصل مع حياة منتجة و مبدعة أسوة
بالمجتمعات الإنسانيّة المزدهرة و المتطوّرة.
|