22.02.2008

بين إنسانية الرؤية وازدواجية المعايير وتناقضها
عبد الرحمن آلوجي ..

إذا كانت القومية ببعدها الإنساني الحقيقي وعياً وإدراكاً من الفرد والمجموع للذات , وفهماً دقيقاً لعوامل النشأة والتكوّن , وإيثاراً من الأمة لدورها في الحياة , وإرادتها في البناء والامتداد والتفاعل مع الآخرين أفراداً وجماعات وأمماً .. فإن في ذلك حساً رفيعاً وإدراكاً قويماً , وتأصلا ً في التعارف والتكافل , دفعا ً لكل الشرور والمنكرات , وإيماناً بما يشرك الشعوب والقبائل , أن الكرامة وعزة الإنسان ورفعته تكمن في تآلفه وتعارفه وتواصله , لا في أثرته وأنانيته , ودعوته إلى تمييز قوم على آخر , أو شعب على شعب آخر ابتداءً وتفضلا ً , واعتباراً بما لا يمكن – في عقيدته ورؤيته – رده أو الاعتراض عليه بدعوى ً عرقية متناقضة , أو عنصرية ممجوجة , أو تفوق في النسل والذرية , وتفضل على الآخرين , مما يعد بحكم الممجوج فكراً , أو المنبوذ ممارسة , والموقع في كثير من الشر والهوان والتخبط , بما لا يكاد ينسجم مع قواعد العلم ومنطق الفكر الموضوعي السليم , والقواعد القانونية , والعلاقات الدولية , ومعاهدات ومواثيق وقعت عليها , واعتبرت نافذة , إلى جانب عهود دولية , وحقوق مدنية واجتماعية , وقضايا مبرمة لا يكاد يرقى إليها الشك , في جانبها الوثائقي والقانوني , إلى جانب القيم والمثل الروحية التي أجمعت عليها رسالات كبرى , ووثقتها تعاليم سماوية فضلى , تسمو على السفح الهابط من الفكر , وترتقي إلى سماحة إنسانية رفيعة , تعضد وتساند المساواة المطلقة , جزاءً وعدلاً وإنصافاً , لا فرق في ذلك بين عرق وآخر , ومجموعة وأخرى , وإنسان وأخيه الإنسان , مهما اختلفت في الزمان والمكان والبيئة , إلا بما يقدمه من ذِكر ٍ حسن , وعمل طيب , وإنتاج متقدم يعطيه درجة علمية أو مكانة اجتماعية أو رتبة أخلاقية , بمقدار ما ينفع الناس , ويدرء عنهم الشرور ويقيهم المكاره نموذجاً إنسانياً فريداً يرقى به ويقدم على أساسه , في مهمة استخلاف وقوامة وتطور وإعلاء لكرامة الإنسان , وتطوير لمجتمعه .

أما ما سوى ذلك من ادعاء التفوق ورؤية الاستعلاء والنظر إلى الآخرين نظرة دونية , باتهامهم بالقصور والتخلف والقعود عن التطور في سباق الزمن , وإيثار قوم دون آخرين بالتمييز والتفوق والخصوصية في المكاسب والمغانم , وحرمان الآخرين من الخصائص الإنسانية والنظر إليهم كتبع ملحقين , أو مجموعات منكرة مجهولة , كما نرى في كثير من التصريحات والمفاهيم المقلوبة , وما يتبع ذلك من دعوى الحق وترك الواجب للآخرين فكراً وممارسة ورؤية ازدواجية متناقضة .. أما هذا وذاك فمحكوم عليه بالتناقض وانعدام الفكر الموضوعي وافتقاره إلى القيم العلمية والتهذيب الأخلاقي بل وقوعه في كثير من العرقية والتعصب الأعمى .. مما لا قيمة علمية ولا إنسانية له .. بل يفتقر إلى كثير من التأني والحكم الموضوعي الصائب .

وللحقيقة نقول : إن وقائع وأدلة ميدانية دافعة تعزز كثيرا ً من الرؤى النظرية والمواقف العملية , مما يمكن أن يظهر للعيان مثل هذه الازدواجية , وذلك التناقض المشين , وهو ما تظهره بين الحين والآخر كتابات هنا وتصريحات إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية هناك , ومن مختلف الأقوام والأجناس ( صرباً وبلقاناً وتركاً وعرباً وفرساً ... ) وممن يسوؤهم أن يروا شعوباً وأمماً عريقة تنهض من تحت ركام البغي والتجاهل والإنكار والعصبية كالكورد والبلقان والأمازيغ وشعوب في أركان المعمورة وأقاصيها , ممن كان لهم فضل كبير ودور بارز في الحياة الحضارية , وفي أقدم مراحل التكوّن الإنساني , ومع أعرق أمم الأرض مذ كانت الحضارة الإنسانية .
من ذلك ما نشهده من تصريحات وأقوال وتهجمات من الساسة والقادة والمفكرين الترك الذين يرون فضلا ً كبيراً وأثراً عظيماً لكل من انتسب إلى الأمة التركية , والمثل المأثور عندهم : " لك الفضل كله لأنك تركي , ولأن بإمكانك أن تعتز بكونك تركياً فوق كل اعتزاز " .
وما نراه من إنكار لكل الأقوام بما فيهم الكورد من وجود وما يتبع هذا الوجود من استحقاقات مدنية وقانونية .. بالإضافة إلى ما يعضد هذا الفكر الازدواجي التدخل السافر في قبرص وكركوك وأذربيجان لمناصرة بضعة آلاف هنا وهناك , مع قفزهم على ملايين الكورد من آرارات إلى جبال همرين , وعدم الشعور بهذا المد البشري الهائل ,مما يوقع في تناقض مشين . يقول سليمان ديميريل : " إذا وجدت للكورد خيمة في أقصى بقعة من الأرض لوجدت نفسي مسؤولا عن هدمها . " وما لا يقل عن هذا ما نسمعه من المتشددين المستعربين على الأغلب ممن يضيرهم أن يدركوا تناقضهم الفكري الصارخ حتى تجد من يصرح في فضائية عربية مشهورة بقوله علانية :" إن بروز بضعة آلاف من الجعلان ؟! –هكذا- يضطرنا إلى أن نقسم الوطن العربي إلى مجموعات وأقاليم ومدن متناحرة ؟! " كيف يمكن لبضعة آلاف من الجعلان – وهي خنفساء كريهة – أن يقسموا الوطن العربي , وهو بهذه الضآلة , وبمثل هذه الوضاعة , في زعم هذا العنصري , وهو ما يشير إلى أمة مقاتلة عريقة سكنت جبال الأطلس من ليبيا إلى أقاصي المغرب منذ آلاف السنين , وهي أمة مقاتلة , مجاهدة , ومشهود لها بأعلامها وفضائلها وكبار رجالاتها , هي أمة الأمازيغ ( البرابرة ) هذه التي لها فضل كبير على التاريخ الإسلامي ؟! كذلك الأمر في مئات التصريحات والأقوال المنتشرة هنا وهناك والممارسات المشينة ضد الأكراد إلى درجة الإبادة الجماعية واستخدام السيانيد والخردل في كوردستان العراق , وعدم الاكتفاء بذلك بل الدعوة إلى استئصال كل كوردي يفكر تفكيراً قومياً كما يقول الموصللي أو تهجيره نهائياً من الوطن العربي , إذا رفض شرف الانتماء إلى الأمة العربية كما يقول إسماعيل العرفي في كتابه ( الشعوبية ) أو اعتبار هذه الأمة من بقايا غجر صحراء راجستان الهندية , كما يقول د. غازي عبد الغفور .

إن الدعوات القومية حق طبيعي نقرّ به وندافع عنه شريطة ألا ننكر الآخرين وأن نحترم المواثيق والعهود والقوانين الدولية والشرائع والقيم السماوية , وألا نقع في تناقض المحتوى , وعسف الممارسة وأن نجعل من أنفسنا ميزاناً عادلاً فيما بيننا وبين الناس فنرى للناس ما نراه لأنفسنا ونستقبح للآخرين ما نراه قبيحاً لأنفسنا ونخرج من هذه الأنانية الازدواجية البغيضة .

 

عــودة

عودة إلى مقالات الأستاذ

info@alparty.info

 

 

 

xwedanên gotara ewin xweda barên wan 

اأصحاب لمقالات المقالات المنشورة هم من يتحملون تبعاتها

Çapkirin ji Mafê Alparty ye

© 

جميع الحقوق محفوظة للبارتي