25.11.2007
الكورد بين الوفاء والعرفان والجحود والنكران
بقلم عبد الرحمن آلوجي
إن من يتابع وقائع التاريخ , ويقف على حقائقه , يدرك بوضوح بالغ ما
تعرض له الكورد من غبن تاريخي , و إساءة حقيقية , رغم ما كان من
هذه الأمة العريقة من فضل سابغ , و أياد بيضاء , في تاريخ المنطقة
منذ عهود ساحقة القدم إلى العصر الوسيط , فالعالم المعاصر ...
لقد انبثقت الرسالة التوحيدية الأولى روحيا منذ عهد نوح عليه
السلام من أرض هذه الأمة, لتجيء الحنيفية البيضاء, ملّة إبراهيم و
إسحاق و يعقوب و الأسباط و موسى وعيسى والنبيين إتماما للرسالة
الكبرى رحمة وهدىً للعالمين , لتأتي الرسالة الكاملة التامة في عقب
إسماعيل عليه السلام , في بني هاشم و ذروتها وسنام مجدها ,( محمد
بن عبد الله بن عبد المطلب بن عبد مناف ... ابن معد بن عدنان بن
إسماعيل .. ) ( ذرّيّة بعضها من بعض ... آل عمران 24 ) , في
الإسلام السمح الحنيف .
و إلى جانب هذه الحضارة الروحية العظيمة , نجد الرقم الإنساني
الأول الذي سطر في منطقته , هذه المنطقة التي تعد مثابة للناس و
أمنا , وداعة واستقراراً , بحكم طيب هوائها , وخصوبة ترابها , و
تنوع تضاريسها , وكثرة أنهارها وينابيعها , وغزارة مواردها الظاهرة
و الباطنة , مما جعلها موطنا حضاريا رائدا , عاشت في أكنافه ملل
وأقوام هندوأوروبية وآرية , تمخّض عن تمازجها الحضاري , عبر آلاف
السنين , تكون أصيل وعميق , شكل الخلاصة الأثنية المتميزة,من أسلاف
الكورد من ( السوبارتيين و الهوريين والسومريين و الميتانيين و
المؤابيين و العيلاميين و السوئيين و الجوتيين و الميديين و
الساسانيين و الحثيين و الخلديين ... ) ممن شكلوا موجات بشرية ضخمة
كما ذهب إلى ذلك العلامة المؤرخ ولديورانت , و أردف المؤرخ
الإنكليزي في رسالته الأكاديمية راوياً بدقة علمية متناهية قصة
هجرة الإنسان الأوروبي من هذه المنطقة إلى العالم الغربي عبر
المتوسط .
ولم يقتصر دور الكورد على التاريخ الموغل في القدم ، فقد تنامى هذا
الدور مع بداية الفتح الإسلامي ، حيث وجد هذا الشعب العريق الإسلام
منسجماً تماماً مع أخلاقيته وإخلاصه العميق ، واتصاله بالحنيفية
البيضاء ، والتي جاء بتعاليمها الكبرى أبو الأنبياء إبراهيم عليه
السلام ، حيث دخل الصحابي الجليل عياض بن غنم كوردستان ، مبشراً
بهذه الرسالة السماوية السمحة التي تعد إتماماً لمكارم الأخلاق ،
وتكملة للدين القويم ، ورحمة للعالمين ، حيث شكل القادة الكورد
مادة الفتح الإسلامي فيما بعد ، كما انطلق الخوراسانيون بقيادة أبي
مسلم في العقد الثالث من القرن الأول الهجري ، لتصحيح مسار الدولة
الأموية ، بعد أن أنفقوا في الدعوة للخلافة العباسية ثلاثين عاماً
، قاصدين الكوفة بالرايات السود ، إذ كانت دولة بني أمية عربية
أعرابية كما ذهب إلى ذلك معظم المؤرخين الإسلاميين ، ليرسوا دعائم
الخلافة العباسية ، وليأتي الرد على هذا الإرساء إساءة بالغة تجلت
في قتل أبي مسلم ، وتغني أبي دلامة شاعر أبي العباس السفاح بهذا
الفتك الغادر كما ورد في كتب المؤرخين وبخاصة في التنبيه والإشراف
للمسعودي ، والذي قال فيه أبو دلامة :
(ألا إن أهل الغدر أجدادك الكورد ) ، لكن الغدر الحقيقي كان ممن
وسّد أبو مسلم الخلافة إليهم .
وتأتي أحداث البرامكة وعلى رأسهم أبو جعفر مأساة أخرى تضاف إلى سجل
نكران الجميل ، الذي أسداه أولئك العباقرة المؤسسون لنظم الخلافة
وقواعد إدارتها ، مما لا يسع الخوض في تفاصيله ، والوقوف على
دقائقه وأسبابه .
ويبرز الدور الأكبر للكورد في القرن السادس الهجري وما تلاه من
قرون في التصدي لأكبر وأشد الحملات الخارجية ، والغزوات المدمرة من
التتار والفرنجة والمغول ، ليقف الأيوبيون وعلى مدى قرنين من
الزمان قلاعاً شامخة في وجه هذا الزحف ، ليذكر العالم الإسلامي
بأكمله ما كان من القائد الخالد صلاح الدين عام 583 للهجرة من
الأثر العظيم في معركة حطين المشهودة في التاريخ الإنساني ، ليكون
ملحمة من ملاحم التاريخ المشترك ، في الوقت الذي كان فرسان الشرق _
كما عرف الكورد في الغرب _ فاتحي أشد الثغور وأكثرها استعصاءاً ،
كما ذهب إلى ذلك المؤرخون ، حيث كان الكورد على الدوام من أشد
الفرسان شجاعة وحمية وقدرة على صد الغزاة ودحرهم ، أورد ذلك ابن
خلكان وابن الأثير والطبري والبلاذري والاصطخري وسواهم .
ويظل هذا الشعب العريق في الصدارة من كل حدث ، فاتحاً عظيماً ،
ومشاركاً كبيراً في ملاحم تاريخية بارزة ، كما ظهر ذلك جلياً في
معركة عين جالوت بقيادة الظاهر بيبرس :
وفي عين بجالوت سحقنا
جبابـرة أذلـوا العـالـمينــــــا
وعفّـر كـلّ جبّـار عتــيٍّ
صلاح الدين في حطين حينا
كـأن والبلايـا محدقــات
لـدى الهيجا أسود غاضبون
كـأن والأسـنة مسـعرات
لهيب البأس جنّـــان فتونـــا
ولم يقف الكورد عند حد في الغيرة على التراث الروحي المشترك عبر
تاريخ طويل بينهم وبين العرب ، كأقرب شعب وأكثره التصاقاً بصلة
القربى والرحم ، حيث يتحدر المستعربون من صلب إسماعيل بن إبراهيم (عليه
السلام) ، وقد ذهب ابن هشام إلى أن إسماعيل المنتهي /نسبه إلى
الهوريين/ هو أبو العرب جميعاً (سيرة ابن هشام ص10) ، فكان الدور
الحضاري الرائد ، والقتالي المتميز لهذا الشعب المتجذر في التاريخ
ممتداً ومتواصلاً ومتعمقاً ، سواء كان ذلك في الفتح الأول أم فيما
تلاه ، وتوالى في معارك التحرير الكبرى من الاستعمار الغربي ، ومن
المشاركة بمختلف الفصائل في فلسطين ، ليلتحم الماضي بالحاضر :
ما أمسك اليوم إلا لحن أغنية
تقدست في ذرى الجولان في النقب
تبارك الله إذ أعلاكما شــرفاً
تشـرين حطين فـي تـوحيـدة النغــم
ليأتي التغني بالانتفاضة من الشعراء الكورد واحدة من أغاني النصر
المشترك :
قف تأمـل فـــدونك العظمـاء!!
من فتية ضجت بهم بطحاء
قف تأمل فرسان حق صلاباً!!
آيــة خــــرت لهـــا الأعداء
لتكون الحركة التحررية الكوردية والكوردستانية وكتابها وشعراؤها
ومفكروها وكتابها في الصلب من خدمة القضايا المشتركة بين العرب
والكورد ، ولتكون ثورة العشرين في كوردستان العراق والثورة الكبرى
وأعلامها وجبل حارم والزاوية والغوطتين وبياندور وميسلون قبل ذلك
في سورية رمزاً خالداً ، وأيادي بيضاء للكورد ، ومنعطفاً لربط
التاريخ العريق بالمعاصر المتألق ، والتاريخ الحديث الناضح بكبار
الشعراء والكتاب والمفكرين الكورد ، الذين كان لهم أثر كبير على
النهضة الحديثة (محمد عبده ، أحمد أمين ، إبراهيم المازني ، العقاد
، أحمد حسن الزيات ، أحمد تيمور ، قاسم أمين ، الزهاوي ، الرصافي ،
الحيدري ، الزركلي ، العطار ، وعلى رأس هؤلاء أمير الشعراء أحمد
شوقي ، والأستاذ الرئيس مؤسس مجمعي اللغة العربية في دمشق والقاهرة
1919_1920 محمد كورد علي .....) وسوى هؤلاء وأولئك ممن أثروا
العربية وحضارتها وتراثها .
ماذا كان الرد الطبيعي سوى الإعراض والتنكر والحرمان والتقتيل
والتهجير للكورد ؟!
ألم يقل الموصلي منذرٌ : (إن أمام الكورد من أصل سوري الاستئصال إن
هم فكروا قومياً) ، ألا يحق لهذا الشعب العريق أن يفكر قومياً كما
يفكر الموصلي المستعرب ؟! ليصادف فكراً أكثر شوفينية واستئصالاً من
مثيله إسماعيل العرفي الذي لا يكاد يلفظ كلمة الكورد إلا وهو يتحدث
كصنوه الدكتور سهيل زكار : (إن أمام الكيانات المجهولة _ يعني بهم
الكورد _ أحد خيارين إما القبول بشرف الانتماء إلى الأمة العربية
وإما التهجير نهائياً من الوطن العربي ) وكأنه يهب المنحة الإلهية
في كون اختلاف الناس في ألسنتهم وألوانهم من آيات الله ومعجزاته ،
لينوب في التفضل وإسباغ الهوية على من يشاء ، ومن يريد شأنه في ذلك
شأن مسألة تبديل الهوية القومية في كركوك وهي الآفة التي جرت الويل
والثبور على الطغيان والدكتاتورية في سقوط ذريع ومريع .
ولا يقف الجحود والنكران عند حد ، حينما يسحب الاعتراف من أكبر
مكون ثان في سوريا بإنكار الوجود التاريخي والقومي لهذا الشعب
الشقيق والأصيل على أرضه لغة وثقافة وتاريخاً وتميزاً واضحاً في
القيم والعادات والتقاليد ، ليقابل في الجانب الآخر من كوردستان
العراق وبالأمس القريب سحلاً وسحقاً وقتلاً وتدميراً وتشريداً
وإبادة جماعية شاملة حتى إذا انبلج الصبح ، وانكشف الغطاء تجلى
الوجه الحضاري لهذا الشعب الوفي السمح ، ليمسح جراحات الشعب ،
ويداوي أناته وينظر إلى الخلف فيسمع ذلك النداء المدوي :
أوّاه يـا نـاراً تفجّـرُ فـي دمـي
أوّاه يـا عيـداً كفـانــيَ مــأتمـي
أوّاه يـــا جبــلاً ينـوح كثاكـــل
لا تسـفحـــي أمّاه دمـــع المرغم
لا تهرقي الدمع العصي فغضبتي
تجتاح عمق الجور .. لا تستسلمي
فهل كان جزاء الإحسان والفضل وكرم الأخلاق والتضحيات الكبرى
والشهامة والغيرة المنقطعة النظير سوى هذا الإعراض ، وذلك التنكر ،
وهذا العداء الذي لا يستحقه شعب شقيق يمتد في عمقه الحضاري
والكفاحي ويتنامى فيه الحس الإنساني الرفيع ، ويتنشي في أعطافه
وحناياه ذلك الصفاء والألق وهو يتعمق روحه وفكره وحياته ، مخلصاً
لمبدئه متناهياً في اعتناق عقيدة حياتية أصيلة ، لا تعرف الخيانة
والتردد والتخاذل ، في إقدام وتألق ميداني ، وريادة فكرية ،
وشفافية عالية في التمثل الحضاري ، والإقبال على الحياة بقابلية
نادرة للتجدد والانطلاق والبناء الإنساني ، في استعداد عال لمسح كل
أدران وجراحات الماضي وأوهاقه وأوضاره ملتفتاً إلى ذلك النكران
بعقد العزيمة على المضي في تثبيت الذات ، وإعلاء شأنها والانخراط
في المجتمع الإنساني ، بناءً وعمراناً وازدهاراً وتقدماً ومدنية .
|