قراءة مختصرة في عجلة التاريخ وحركة المجتمع
إدريس بيران
إن الأمم والمجتمعات تستمد خصوصيتها النظرية و المعرفية عبر مراحل
مسيرتها التاريخية وتدرك كتجسيد مادي ومعنوي في الواقع المعاش
للأمة والمجتمع , فالماضي البعيد والقريب والواقع المعاش هي التي
تشكل البنية الفكرية للمستقبل لأن الماضي في مجمل مكوناته المدركة
المعرفية والاقتصادية والاجتماعية شكل الحاضر , واستجداء شيء ما
يولد الرؤية أو النظرية للمستقبل والتقدم نحو تحقيقها وهكذا فإن
عجلة التطور في حركة مستمرة في كافة المجالات الحياتية ومستجداتها
.
الوعي بشكل عام في سياقه الطبيعي يبدأ بالفرد وثم المحيط و المجتمع
ككل وهنا يفرز حالة الوعي القومي للأمة ويتبلور أكثر ليصبح إلى
حالة وعي إنساني لا يختص به الأمة فحسب بل يتبلور في المجتمعات .
ومن الطبيعي والمعلوم في المسيرة التاريخية للأمم جمعاء تتمازج
المعارف والثقافات وتستمد وتمد بعضها البعض لتشكل حضارتها الحقيقية
في الحاضر الزمني , وان أية معارف وأفكار مستقدمة تتبلور وتتلخص
تلقائيا في المجتمع وتستمد استجداءها بحكم قبولها وتآلفها وتلاؤمها
في المجتمع سعيا وراء الأفضل وتشكل تمازجا فكريا ومعرفيا للتقدم في
المسيرة الطبيعية للأمة , وإن كل ما يتمايز ويختلف ويفارق بنية
المجتمع في حاضره وليس له استجداء تطوري يتلاشى تلقائيا بحكم
الإدراك المعرفي والفكري والذي أنتج أصلا من التمازج واستنتاجه
للمدرك والمنظور .
إن التقدم والتطور الفكري نتاج العقل البشري بدأ من مخاوفه من
الظواهر الطبيعية ومرورا بالروحانية الخلاقة الماورائية الغيبية
ووصولا إلى العقل التنويري للمنطق الطبيعي منذ القرن السابع عشر
وما قبله وتماشيه مع الروحانية بشكل أو بآخر ووصولا إلى التطور
العلمي والتقني والحداثة المعاصرة في كافة المجالات والمستندة على
العلمانية والبحث فيها والتي أدت إلى أفكار أكثر انفتاحا ومستندة
على حرية الفرد والمساواة أمام القانون .
الفكر أو النظرية التي تتبلور في المجتمع هو نتاج حاضره وواقعه
المعاش سعيا لاستجداء أفضل بحكم التطور وحركة المجتمع وحتى إن كان
له تواصل مع الماضي عبر اليقينيات في عناصره فهو تشكيلته الثقافية
في مراحله التاريخية , وإن كان يبدو مستقدما فهو حقيقة التمازج
الفكري والثقافي والذي كان يتكون عبر سلسلة المراحل التاريخية إذ
إنه مسالة أخذ وعطاء وبغض النظر عن تفوق مجتمع على آخر فهو مسالة
تدرجية وتبادلية كما هو ملحوظ في عجلة التاريخ .
فمن سمات الحركة التاريخية في التقدم والتطور هو الاختلاف مع
الحاضر الماضي القريب والماضي الأكثر بعدا عبر إبداع وإنتاج السبيل
الأكثر تطورا والتجربة الأكثر نفعا , فلا يمكن أن يتقيد الإنسان
بفكرة أو مذهب معين أو قانون ثابت عبر الأزمنة والعقود لان الإنسان
كائن يتوسع في مدركاته بفضل طبيعة الطموح لديه نحو الارتقاء
والتطور , ولأجل التقدم نحو تكامل طموح الإنسان أو الفرد يلتقي مع
مصالح وطموح الآخرين وينتج علاقة تبادلية مبنية وفق المصالح
المشتركة والتي تقف بالتضاد مع الآخر المختلف والمنافس وبالتالي
يؤدي إلى الإبداع الأكثر تطورا وهكذا تستمر عجلة التطور نحو التقدم
.
أما التقوقع الفكري فهذا لايمتلك أدوات التحليل بمستوى التطور
الحاصل في المجتمع أو المحيط والعالم وتفسيره , ويظهر عاجزا أمام
المتغيرات الجديدة ومستجداتها وبالتالي يؤدي إلى تراجعه وتفانيه
بحكم عدم قابليته وقدرته على التحليل و التطور .
إن حركة التاريخ في تطور مستمر وذلك عبر تطور الفرد الذي بالتالي
يؤدي إلى تطور المجتمع ,. والإنسان بشكل عام أو الفرد طموح بطبيعته
ويسعى إلى التقدم والتطور باستمرار والبحث عن الإدراك المعرفي
والإبداع وأشكال وأنماط الإنتاج والنتاج الأكثر تطورا ومن جميع
النواحي الحياتية , فالإبداع والتجربة يؤديان بالفرد والمجتمع إلى
سلك الطرق الأكثر فعالية نحو التطور وإيجاد السبل نحو استمرارية
التطور بفضل طموح الإنسان , أي الطموح الذاتي للفرد والأنا الذاتية
الباحثة عن التقدم والمدركة للتكامل عبر التشارك و التي تختلف عن
الأنا المتأخرة الرجعية التي فات تألقها الزمني والمرتبطة بالفكر
الماضي ومبني عليها ومن دون الاستناد على مبدأ التشارك .
إن كل تقييد خارج عن طبيعة طموح الإنسان الفطرية وتطوره الطبيعي لا
تغدو أكثر من ترقيع ومصيرها الزوال لا محال أو إنها حالة تحكم
سلطوية أو اجتماعية فانية بحكم عجلة التطور ويقينية التشارك الحر .
وهنا لابد من الملاحظة إن قراءة التاريخ ليست للتمجيد والعيش على
أمجاد الماضي فحسب بقدر ما هي مدركات لتفادي التجربة والإخفاقات
وعلى كافة المستويات لذا يجب تحليل التاريخ تحليلا دقيقا , ولاسيما
من الناحية الفكرية والنضالية , للسير والتقدم نحو تحقيق المستجدات
والانتقال بسلم الصعود نحو الارتقاء .
وفي سياق القومية والأمة فلكل قومية سبل لإحياء قوميتها ودوام
استمراريتها القومية لأنها سمة الذات الإنسانية والطبيعية الفطرية
والغريزية للبشر , وقد أنتج حركة التحولات التاريخية والفكرية
حلولا شتى للشعوب والأقليات القومية وغيرها من التناقضات
الاجتماعية , والتي تنسجم مع واقع الحال المعاصر وعلى مبدأ المصالح
المشتركة وحق تقرير المصير سواء في الانفصال أو الاتحاد أو حقوق
المواطنة القانونية .
ومن هنا فان الأحزاب السياسية هي التي رسمت وترسم حقوق وطموحات
المجتمع والأمة لذا من الضروري الانطلاق من طبيعية الذات الإنسانية
وطموحاته المختلفة وبمنهجية علمانية باحثة سلسة مع المتغير في
المجتمع والمحيط وقابلة للتطور والتغير .
وفي حال تراجع الحركة السياسية في المجتمع وتخلفت عن أداء دورها
المطلوب في المستجدات والقضايا الضرورية في المجتمع وأضفت على
نفسها طابع الرجعية الفكرية والثقافية والنضالية , ويظهر ذلك جليا
عندما يسبق المجتمع حركته السياسية ونجده يعي الذات المجتمعية أو
القومية ويتوحد في المستجدات والأخطار والحدث ويتفاعل معها من دون
الاكتراث بما يسمى بالحركة حينها تكون حركته غير قادرة على قراءة
وتحليل ما هو معاصر والانطلاق نحو التقدم .
وهنا يأتي الدور الفاعل للنخب الثقافية والفكرية لتحدي هذه
الإشكالية الراهنة في الحركة وذلك عبر المساهمة الفكرية والثقافية
ورسم وصياغة مستجدات العصر ووضع سبل للتغير نحو التطوير والضغط
بغية تطوير الحركة السياسية ومواكبة العصر .
إن النخب الثقافية هي التي تحمل لبنة تحقيق الأهداف المرجوة
للمجتمع , إذ إنها تقف في مواجهة القصور والتدني في مستوى الوعي
العام والوعي القومي للأمة بالدرجة الأولى , كما إن النخب الثقافية
تنشأ في المجتمعات من أجل التطوير في كافة المجالات ومن أبرزها
التطوير في المجال الفكري وبلورته داخل المجتمع وكذلك توفير
الضرورات السياسية والفكرية والنضالية للأحزاب المتمثلة بحركة
المجتمع السياسية , وتبقى الأحزاب السياسية هي المكان المناسب
للبحث والإجابة عن الضرورات والمستجدات المجتمعية , لذا يجب تطوير
الحركة السياسية لأنه من دون تمثيل سياسي حقيقي لايمكن للمجتمع
تحقيق حقوقه وطموحاته في الحياة .
وفي الختام أعتقد إن أهم المستجدات للحركة السياسية الانطلاق من
القاعدة التنظيمية الرصينة و المؤسساتية لتحقيق النجاح , ومعالجة
الخلل التنظيمي في حال حدوثه مباشرة وفي كافة المستويات التنظيمية
وبمنهجية علمية و نابعة من طبيعة المجتمع واحترام وفرض النظام
الداخلي لصالح المصلحة العامة للحزب المعين والحركة مع ضمان تطوير
النظام التنظيمي والداخلي إذا تطلب مستجداته ذلك , كما يجب البحث
باستمرار عن الوحدة والاندماج بين الحركة السياسية للمجتمع لضمان
قوتها وثقة الجماهير بها .
إن عدم الانطلاق من القاعدة التنظيمية الرصينة و الممنهجة و عدم
المبالاة بها بالتالي يؤدي إلى التظلم و التكتلات داخل التنظيم
والانشقاقات بالإضافة إلى تأثير النفوذ الخارجي فيها بشكل أو بآخر
وعلى كافة المستويات , كما يؤدي إلى عدم الثقة بها وبقياداتها
وفقدان شعبيتها وبالتالي يتحول إلى اسم ورقم فحسب أو الزوال ومهما
كانت لها قوة الظهور في الماضي .
ب 24 – 9 – 2007- مطالعات عامة .
edrespeeran@yahoo.com
|